سيد قطب

2056

في ظلال القرآن

الْحِسابِ ( 41 ) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ( 42 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ( 43 ) بعد المشاهد الهائلة في آفاق الكون وفي أعماق الغيب ، وفي أغوار النفس التي استعرضها شطر السورة الأول ، يأخذ الشطر الثاني في لمسات وجدانية وعقلية ، وتصويرية دقيقة رفيقة ، حول قضية الوحي والرسالة ، وقضية التوحيد والشركاء ، ومسألة طلب الآيات واستعجال تأويل الوعيد . . وهي جولة جديدة حول تلك القضايا في السورة . وتبدأ هذه الجولة بلمسة في طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر ، فالأول علم والثاني عمى . وفي طبيعة المؤمنين وطبيعة الكافرين والصفات المميزة لهؤلاء وهؤلاء . يتلوها مشهد من مشاهد القيامة ، وما فيها من نعيم للأولين ومن عذاب للآخرين . فلمسة في بسط الرزق وتقديره وردهما إلى اللّه . فجولة مع القلوب المؤمنة المطمئنة بذكر اللّه . فوصف لهذا القرآن الذي يكاد يسير الجبال وتقطع به الأرض ويكلم به الموتى . فلمسة بما يصيب الكفار من قوارع تنزل بهم أو تحل قريبا من دارهم . فجدل تهكمي حول الآلهة المدعاة . فلمسة من مصارع الغابرين ونقص أطراف الأرض منهم حينا بعد حين . يختم هذا كله بتهديد الذين يكذبون برسالة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بتركهم للمصير المعلوم ! من ذلك نرى أن الإيقاعات والمطارق المتوالية في شطر السورة الأول ، تحضّر المشاعر وتهيئها لمواجهة القضايا والمسائل في شطرها الثاني ، وهي على استعداد وتفتح لتلقيها ؛ وأن شطري السورة متكاملان ؛ وكل منهما يوقع على الحس طرقاته وإيحاءاته لهدف واحد وقضية واحدة . والقضية الأولى هي قضية الوحي ، وقد أثيرت في صدر السورة . وهي تثار هنا مرة أخرى على نسق جديد . . « أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ؟ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ » . . إن المقابل لمن يعلم أن أنزل إليك من ربك هو الحق ليس هو من لا يعلم هذا ، إنما المقابل هو الأعمى ! وهو أسلوب عجيب في لمس القلوب وتجسيم الفروق . وهو الحق في الوقت ذاته لا مبالغة فيه ولا زيادة ولا تحريف . فالعمى وحده هو الذي ينشئ الجهل بهذه الحقيقة الكبرى الواضحة التي لا تخفى إلا على أعمى . والناس إزاء هذه الحقيقة الكبيرة صنفان : مبصرون فهم يعلمون ، وعمي فهم لا يعلمون ! والعمى عمى البصيرة ، وانطماس المدارك ، واستغلاق القلوب ، وانطفاء قبس المعرفة في الأرواح ، وانفصالها عن مصدر الإشعاع . . « إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ » . . الذين لهم عقول وقلوب مدركة تذكر بالحقّ فتتذكر ، وتنبه إلى دلائله فتتفكر . وهذه صفات أولي الألباب هؤلاء :